القرطبي

301

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

" إني سقيم " [ الصافات : 89 ] وقوله : " بل فعله كبيرهم " وواحدة في شأن سارة ) الحديث لفظ مسلم وإنما يعد عليه قوله في الكوكب : " هذا ربي " [ الانعام : 78 ] كذبة وهي داخلة في الكذب ، لأنه - والله أعلم - كان حين قال ذلك في حال الطفولية ، وليست حالة تكليف . أو قال لقومه مستفهما لهم على جهة التوبيخ الانكار ، وحذفت همزة الاستفهام . أو على طريق الاحتجاج على قومه : تنبيها على أن ما يتغير لا يصلح للربوبية . وقد تقدمت هذه الوجوه كلها في " الانعام " ( 1 ) مبينة والحمد لله . الثالثة - قال القاضي أبو بكر بن العربي : في هذا الحديث نكتة عظمي تقصم الظهر ، وهي أنه عليه السلام قال : ( لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات ثنتين ما حل بهما عن دين الله وهما قوله " إني سقيم " [ الصافات : 89 ] وقوله " بل فعله كبيرهم " ولم يعد [ قوله ] ( 2 ) هذه أختي في ذات الله تعالى وإن كان دفع بها مكروها ، ولكنه لما كان لإبراهيم عليه السلام فيها حظ من صيانة فراشه وحماية أهله ، لم يجعلها في ذات الله ، وذلك لأنه لا يجعل في جنب الله وذاته إلا العمل الخالص من شوائب الدنيا ، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت للدين كانت لله سبحانه ، كما قال : " ألا لله الدين الخالص " [ الزمر : 3 ] ( 3 ) . وهذا لو صدر منا لكان لله ، لكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا . والله أعلم . الرابعة - قال علماؤنا : الكذب هو الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه . والأظهر أن قول إبراهيم فيما أخبر عنه عليه السلام كان من المعاريض ، وإن كانت معاريض وحسنات وحججا في الخلق ودلالات ، لكنها أثرت في الرتبة ، وخفضت عن محمد المنزلة ، واستحيا منها قائلها ، على ما ورد في حديث الشفاعة ، فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم إجلالا لله ، فإن الذي كان يليق بمرتبته في النبوة والخلة ، أن يصدع بالحق ويصرح بالحق لأمر كيفما كان ، ولكنه رخص له فقبل الرخصة فكان ما كان من القصة ، والقصة ولهذا جاء في حديث الشفاعة ( إنما أتخذت خليلا من وراء وراء ) بنصب وراء فيهما على البناء كخمسة عشر ، وكما قالوا

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 25 فما بعد . ( 2 ) الزيادة من ( أحكام القرآن ) لابن العربي . ( 3 ) راجع ج 15 ص 232 فما بعد .